محمد أبو زهرة
211
المعجزة الكبرى القرآن
بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ( 8 ) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ( 9 ) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ( 10 ) [ الحاقة : 1 - 10 ] . إنك ترى في هذه الآيات الكريمات ، وهي إنذار بما يكون يوم القيامة ، وما يستقبل الذين طغوا في البلاد ، وأكثروا فيها الفساد ، من عذاب شديد يترقبهم - ترى في النغم قوة شديدة قارعة لأسماع الذين يشركون ، ويكفرون باللّه تعالى ، ويفسدون ، ويعتدون ، ويظلمون - ويشترك في نغمة الترهيب الألفاظ بحروفها ، والجمل بكلماتها ، والخواتم بشدة جرسها ، وقرع الأسماع بها . ثم اقرأ في سورة الضحى نغمات الرحمة الواسعة ، إذ يقول سبحانه : وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضحى كلها ] . وانظر إلى الآيات الداعية إلى التأمل في الكون ، وما فيه من أمور هادية تجد فيها النغمات الهادئة اللافتة الموجهة من غير قرع للأسماع ، بل بتوجيه للأفهام ، اقرأ في سورة الغاشية . أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ( 26 ) [ الغاشية : 17 - 26 ] . وإنك ترى في هذا النص المبين أنه قد اجتمع التأمل ذو النغمة الهادئة الموجهة من غير عنف ، في جرس يسترعى الأسماع ويصرف الأنظار ، واجتمع الإنذار الشديد القوى ، ولم يكن ثمة تنافر بين الإنذار الشديد ، والتأمل السديد ، بل كان الانتقال من مقام إلى مقام لا يبدو فيه التباين ، وإن كان المقام الثاني إنذارا ؛ ذلك لأن الإنذار كالثمرة للتوجيه بالنسبة لمن لم تهده الآيات ، وتوجهه النظرات إلى الكون وما فيه . وإنك إذ تنظر في وصف الجحيم تجده في نغم كأنما يخرج منه ريح السموم ، وإن وصف الجنة تجد في نغمه أصواتا حلوة كأنها روح وريحان لأنها جنة ، واقرأ بعض السورة التي تلونا منها آنفا ، وصفا للجحيم ووصفا للنعيم ، فإنك واجد لا محالة الفرق